رواية تيتوس
بروفسير منال الشربيني
الفصل الأول
زحت الستائر عن النافذة فرأيت الفزاعة، مخبوءة كالقش في ثياب امرأة تعدت الستون بقليل، لمحتها، عند باب الحجرة، رمقتني أم تيتوس بنظرة جعلتني أثب إلى الخلف، فانشغلت بالبحث عن فردة الحذاء الأخرى كي يبدأ يوم عمل جديد كالعادة بدون تيتوس.
كثيرا ما قلت في نفسي لماذا ارتضيت لنفسي أن أقبل بزوج يشترط أن أسكن في دار واحدة مع أمه؟ ولكنني سرعان ما طأطأت رأسي، فأنا في عُرف هذا الجمع الغبي“ خرج بيت“ كما تقول العجائز، أي ”سكند هاند“، يتعامل الجميع معي كما لو كنت مجرمة، وكثيرا ما بحثت في الكتب المقدسة عن عبارة مماثلة“ للمطلقة نصف حظ البكر“، ورغم أنني لم أجد غير“ وللذكر مثل حظ الأنثيين“، قلت في نفسي:“ ربما، يوما ما، أعثر على هذا الذي غرس في العقل الجمعي ما لا تقبل به عدالة السماء..
كثيرًا ما تمنيت أن يصبح لي داري المستقل، لا أحد يراقبني، تكون لي ضحكاتي ورقصات وملابسي الشفافة، ولكن، هل لدى حماتي نفس الرغبة في أن تكون وحدها؟ منعها من ذلك قلة حيلتها ومرضها؟ يا إلهي! هل أنا أنسان سوي؟ لما كلما تحدثت عن تلك المرأة شعرت أنها تسمعني، أو أنها خلفي، رغم أنني في غرفتي، وبابي مغلق، وهي لمَّا تزل في سريرها، لماذا أشعر ببرودة تسرى من حولى، بل لماذا أشعر بأن الغيوم تحاصرني، ويتسلل إلى غرفتي الظلام في عز النهار، يا إلهي ما هذا الهدوء القاتل؟
يبدو أنني أعاني مرضًا نفسيًا وعلى الحذر، نعم، لقد قرأت عن هذا، يقال إنه عندما يصبح المرء على علم بوجود أحد ما رغم أنه لوحده في المكان يعني أنه ضحية لهذه الحالة النفسية Sense Of Presense . فقد يساوره الإعتقاد بأن أحداً يتبعه أو يراقب ما يفعله أو أن يشعر بأن الأجواء حوله تكبله أو أنها غير مريحة وقد يترافق إعتقاده هذا مع إدراكه لتغير الظروف المحيطة من حوله. يا إلهي، أشعر بالخوف والبرد يتملكان قلبي، وأكاد أختنق من جو المكان، نعم ثبت علميًا إنه في مثل تلك الظروف يمكن للدماغ أن يقنع نفسه بأن أسوأ مخاوفه ستتحول إلى حقيقة، ولكن لماذا لا يكون هذا المنزل مسكونًا بالجن مثلا، فالحديقة والشجر الكثيف والظلام والظلال يشكلون مرتعًا للأرواح الشريرة، يا ربي، لا أحب الشعور بالخوف من شيء ما…يبدو الجو باردا هذا الصباح، ربما، أشعر بأطرافي تتجمد.. لا أحب الخروج من غرفتي والتجول بالمنزل، بل لا أرتاح حين أدخل المطبخ، أشعر فيه دائمًا ببرودة شديدة بغض النظر عن حالة الطقس ويترافق ذلك بشعوري أن ثمة أنفاس خلفي تلاحقني، ،يختفي هذا الشعور بمجرد خروجي من المطبخ، مع أنني لم أر مطلقاً شبحاً في حياتي فهل يمكن لأي شخص أن يشعر بوجوده ؟ لا أدري لماذا تساورني كل هذه الأفكار الآن، يا لها من طاقات سلبية لا يحتملها قلبي الهش وجسدي الصغير.


تعليقات
إرسال تعليق